الشنقيطي
218
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وجلاله ، وهو ما ادعوا له من البنات سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا ! وغيرهم كما نقله عنهم ابن كثير وغيره - على أن الآية عامة ؛ حتّى إن ذنوب بني آدم لتهلك الجعل في حجره ، والحبار في وكرها ، ونحو ذلك ؛ لولا أن اللّه حليم لا يعجل بالعقوبة ، ولا يؤاخذكم بظلمهم . قال مقيده عفا اللّه عنه : وهذا القول هو الصحيح ؛ لما تقرر في الأصول من : أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة « من » تكون نصا صريحا في العموم . وعليه فقوله « من دابة » يشمل كل ما يطلق عليه اسم الدابة نصا . وقال القرطبي في تفسيره : فإن قيل : فيكف يعم بالهلاك مع أن فيهم مؤمنا ليس بظالم ؟ يجعل هلاك الظالم انتقاما وجزاء ، وهلاك المؤمن معوضا بثواب الآخرة . وفي صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمر قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « إذا أراد اللّه بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ، ثمّ بعثوا على أعمالهم » « 1 » اه محل الغرض منه بلفظه . والأحاديث بمثله كثيرة معروفة . وإذا ثبت في الأحاديث الصحيحة : أن العذاب إذا نزل بقوم عم الصالح والطالح ، فلا إشكال في شمول الهلاك للحيوانات التي لا تعقل . وإذا أراد اللّه إهلاك قوم أمر نبيهم ومن آمن منهم أن يخرجوا عنهم ؛ لأن الهلاك إذا نزل عم . تنبيه قوله : ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ الضمير في « عليها » راجع إلى غير مذكور وهو الأرض ؛ لأن قوله مِنْ دَابَّةٍ يدل عليه ، لأن من المعلوم : أن الدواب إنما تدب على الأرض . ونظيره قوله تعالى : ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [ فاطر : 45 ] ، وقوله : حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ ( 32 ) [ ص : 32 ] أيّ الشمس ولم يجر لها ذكر ، ورجوع الضمير إلى غير مذكور يدل عليه المقام كثير في كلام العرب ؛ ومنه قول حميد بن ثور : وصهباء منها كالسفينة نضجت * به الحمل حتى زاد شهرا عديدها فقوله « صهباء منها » أيّ من الإبل ، وتدل له قرينة « كالسفينة » مع أن الإبل لم يجر لها ذكر ، ومنه أيضا قول حاتم الطائي : أماوي ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر فقوله « حشرجت وضاق بها » يعني النفس ، ولم يجر لها ذكر ؛ كما تدل له قرينة « وضاق بها الصدر » . ومنه أيضا لبيد في معلقته :
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في صفة الجنة حديث 84 .